عبد الملك الجويني

247

نهاية المطلب في دراية المذهب

وعند هذا المنتهى سر ، وهو أنا لا نجوّز لحافر البئر طمَّها ليبرأ عن الضّمان ؛ إذ لو كان المعنى هذا ، لما بالينا بتورطه في الضّمان ، ولقلنا : أنت الذي ورطت نفسك في هذا الضمان ، ولكن المعتبر أن قطع العدوان واجب ، فليفهم الناظر ذلك ؛ فإنه من لطيف الكلام . ولو كان قَصَر الغاصب الثوبَ ، فليس من الممكن أن يكلفه المغصوبُ منه رده إلى البت ( 1 ) ، فلا تكليف في هذا ، وما يناظره . 4627 - وذكر الأئمة في قسم الآثار ( 2 ) مسائلَ تستفاد ذكرنا بعضها فيما سبق ، ونحن نجمعها الآن : لو غصب عصيراً ، فانتهى في آخر أمره إلى حموضة الخل ؛ فإنه يرد الخلَّ ، وهل يضمن العصير ؟ فيه وجهان : أحدهما - أنه لا يضمن ؛ فإنه ردَّ عين ما غصب ، ولكن صفته حائلة ، فينظر في نقصان القيمة على التفصيل المقدم . والثاني - يضمن العصير ؛ فإن الذي رده خل ، وقد صار العصير خمراً في يده ، ثم صارت الخمر خلاً ، ولما انقلب العصير خمراً ، وجب إذ ذاك مثلُ العصير ؛ فإنه باشتداده خرج من أن يكون مالاً ، فما أوجبناه من المثل لا يزيله ، والخل رزقٌ ساقه الله إلى المغصوب منه . ومن هذا الجنس ما لو غصب بيضة فأحضنها دجاجة ، ففرخت ، فيجب ردّ الفرخ على مالك البيضة ، وهل يجبُ على الغاصب قيمةُ البيضة ؟ فعلى وجهين : أحدهما - يجب ؛ لأنها تصير مَذِرَة ( 3 ) ، ثم تنقلب فرخاً ، والمذِرة لا قيمة لها كالخمر . والثاني - لا يجب ضمان البيضة ، كما تقدّم في العصير . ولو غصب بَذراً ، فَزَرَعَه فنبت وتَسَنْبل ، وأَدْرَك ، فلا شك أن الزرع لمالك البذر ، وهل يغرَم الغاصب مثلَ البذر للمغصوب منه ؟ فعلى وجهين ؛ لأن البذر يتعفن ، ويخرج عن المالية ، ثم يُنبت .

--> ( 1 ) البتّ : كساءٌ غليظ من صوف أو وبر . ( معجم ) فالمعنى أن البتّ هو الثوب الخام الذي لم تدخله القصارة ، وهي دق الثوب وتبييضه ( المعجم ) . ( 2 ) قسم الآثار : أي الآثار التي يحدثها الغاصب فيما غصبه . ( 3 ) مذرة : من مذرت البيضة إذا فسدت ( مصباح ) .